الإمارات.. هندسة الخراب العربي-بقلم:يحيى البعيثي

لم تعد الإمارات مجرّد دولة تبحث عن دور سياسي طبيعي في محيطها، بل تحوّلت خلال العقد الأخير إلى مشروع نفوذ متضخّم، يتغذّى على الأزمات العربية وينفخ في رماد الانقسامات، مستثمرةً الانهيارات الأمنية والسياسية لإعادة رسم خرائط النفوذ والموانئ والطاقة والممرات البحرية، ولو كان الثمن دماء شعوبٍ كاملة وتدمير أوطان بكاملها.

اليمن.. تفكيك ممنهج

دخلت الإمارات اليمن ضمن التحالف العربي ضد مليشيا الحوثي الانقلابية عام 2015، لكن بوصلة تدخلها سرعان ما انحرفت عن هدف استعادة الدولة؛ إذ ركزت أبوظبي على إنشاء مراكز نفوذ خاصة بها في المحافظات المحررة، وإضعاف الجبهة الموحدة ضد الحوثيين، عبر دعم فصائل جنوبية انفصالية على حساب الحكومة الشرعية.

صناعة ميليشيات موازية

أسست الإمارات أذرعًا عسكرية متعددة خارج إطار الدولة: (الحزام الأمني – النخبة الحضرمية – النخبة الشبوانية – قوات العمالقة – قوات طارق صالح)، لتتحول هذه التشكيلات إلى قوة تفوق الجيش الرسمي نفوذًا وانتشارًا، ما أوجد سلطة ميدانية موازية تتلقى أوامرها من أبوظبي لا من وزارة الدفاع اليمنية.

الساحل والمضائق

تصرفات الإمارات في الساحل الغربي والجنوب اليمني تجسّد هدفًا استراتيجيًا: السيطرة على باب المندب والموانئ الحيوية (عدن – المخا – ميون – سقطرى)، بما يضمن خدمة شبكة موانئ أبوظبي ويجهض أي مقومات نهوض اقتصادي يمني مستقبلي، خصوصًا في تجارة الطاقة والنقل البحري.

حضرموت والمهرة

لم يتوقف نفوذ أبوظبي عند دعم الانفصال السياسي والعسكري فحسب، بل تمدد ليشمل محاولات فرض نفوذ الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة، بوصفهما آخر مراكز الثقل الجغرافي والاقتصادي في الجنوب.. دعم التمويل والتسليح والإعلام رافقته محاولات لإعادة رسم الخارطة الجغرافية بفرض واقع سياسي جديد يسمح للإمارات بالتحكم في بوابة النفط اليمني في حضرموت، والممر البري المتصل بعُمان عبر المهرة، باعتبارهما أوراقًا استراتيجية تتجاوز اليمن إلى صراع أوسع في بحر العرب والبحر الأحمر.

السودان.. حرب بالوكالة

تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، دعم وصفته تقارير غربية بأنه أحد الأسباب الكبرى لتحول الصراع السوداني إلى حرب إبادة في دارفور، وتمزيق السودان بدل دفعه نحو الاستقرار، ويقف خلف هذا الدعم هدف واضح: الهيمنة على البحر الأحمر، واستثمارات في الزراعة والأراضي والثروات المعدنية، ولو كان الطريق مفروشًا بجثث المدنيين.

ليبيا.. تصفية حسابات

بعد سقوط القذافي، لم تتجه الإمارات إلى إعادة الإعمار بل إلى ضخ المال والسلاح في يد خليفة حفتر، محوّلةً ليبيا إلى ساحة حرب طويلة الأمد.. فبالنسبة لأبوظبي، ليبيا ليست فقط ملفًا ثروياً، بل منصة لتصفية خصوم أيديولوجيين عبر وكلاء على الأرض، حتى لو أدى ذلك إلى تفتيت الدولة وتدويل صراعها لعقود.

سوريا.. تفخيخ الجغرافيا

ورغم ابتعاد الإمارات لفترة عن الملف السوري ظاهريًا، إلا أنّ تقارير وتحليلات سياسية ربطت دورها بدعم محاولات إعادة تأهيل النظام السوري دبلوماسيًا، بالتوازي مع تحركات لتقوية شبكات اقتصادية وأمنية داخل سوريا، بما يمنح أبوظبي منفذًا جديدًا على شرق المتوسط، ويجعلها طرفًا مؤثرًا في مستقبل خريطة القوة هناك.

تركيا.. دعم الانقلاب

اتُّهمت الإمارات في تقارير إعلامية وسياسية بلعب دور في دعم المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا عام 2016، في إطار صراع أيديولوجي وسياسي عابر للحدود يستهدف تقويض النفوذ التركي في المنطقة، وعلى الرغم من الإنكار الرسمي، بقيت هذه الاتهامات جزءًا من سردية العلاقات المتوترة بين البلدين لسنوات.

الصومال.. اختراق سيادي

تحت غطاء التدريب العسكري والتمويل، تمدد النفوذ الإماراتي في الصومال، قبل أن تصفه مقديشو لاحقًا بأنه تدخل في السيادة، واستثمار أبوظبي في ميناء بربرة بإقليم “أرض الصومال” ترافق مع خطوات انتهت باعتراف إسرائيل بهذا الإقليم كدولة مستقلة، وهو ما يرى محللون أنه مشهد صُمّم خلف الكواليس بتنسيق إماراتي، خدمةً لاستراتيجية السيطرة على القرن الإفريقي وممرّات التجارة العالمية.

إسرائيل.. شراكة وتطبيع

التطبيع الإماراتي مع إسرائيل لم يكن حدثًا سياسيًا عابرًا، بل تحالفًا استراتيجيًا عميقًا في الأمن والطاقة والموانئ والممرات المائية.. ما يجري اليوم يوضح بجلاء إعادة توزيع النفوذ الإقليمي بما يخدم تل أبيب وأبوظبي ولو كان على حساب الخرائط العربية المعترف بها دولياً.

إيران.. تجارة النفط

تُطرح اتهامات متكررة حول دور إماراتي غير معلن في تمرير النفط الإيراني عبر مسارات التفاف اقتصادية سرية، في تناقض واضح مع الخطاب السياسي الذي يظهر صراعًا مع طهران، بينما يرتبط الطرفان بقنوات اقتصادية بعيدة عن الأضواء.

صراع مع الحلفاء

ورغم الصورة اللامعة لعلاقة الإمارات بالسعودية ومصر، إلا أنّ ملفات مشتركة — أبرزها اليمن وموانئ البحر الأحمر — تكشف سباقًا صامتًا على من يقود الخليج ومن يملك قرار المنطقة، في تنافس قد ينفجر في أي لحظة ويتجاوز الشعارات الأخوية.

تمدد الانقسام

في المشهد العربي العام، لا تبدو الإمارات مع أحد — بل مع مشروع ذاتي منفصل: دولة صغيرة الحجم، كبيرة الطموح، تعتمد معادلة واحدة في سياستها: (كلما انهارت دولة عربية.. وُلدت فرصة ذهبية في أبوظبي)، وستبقى النتيجة واضحة: حيثما تمددت الإمارات.. تمدد معها الانقسام، وتمدد الرماد فوق الجغرافيا العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى